في تطور رائد قد يعيد تعريف مستقبل طب القلب، كشفت فرنسا عن القلب الاصطناعي الكلي "إيسون" (Aeson). صُمم هذا الجهاز القابل للزرع بالكامل ليحاكي الوظائف الطبيعية للقلب البشري، وليوفر حلاً مدى الحياة للمرضى الذين يعانون من قصور القلب في مراحله النهائية.
طُور هذا الطرف الاصطناعي المبتكر بواسطة شركة الطب الحيوي الفرنسية كارمات (Carmat)، ومقرها في "فيليزي" (Vélizy). ويَعِد الجهاز بإنهاء الاعتماد على الأعضاء المتبرع بها، مما يمنح الأمل للآلاف حول العالم ممن يواجهون قوائم انتظار طويلة لزراعة القلب.
أعجوبة تكنولوجية مستوحاة من الطبيعة
يمثل القلب الاصطناعي الكلي "إيسون" ثمرة سنوات من البحث والبراعة الهندسية؛ إذ يجمع بين مواد متوافقة حيوياً مشتقة من أنسجة بيولوجية (تحديداً أنسجة الأبقار) وأجهزة استشعار فائقة التطور من الدرجة المستخدمة في الفضاء، وذلك لمحاكاة إيقاع القلب البشري واستجابته وقدرته على التكيف.
وعلى عكس أجهزة المساعدة البطينية التقليدية التي تدعم جانباً واحداً فقط من القلب، يستبدل هذا القلب الاصطناعي الكلي كلا البطينين تماماً. وهذا يجعله خياراً فعالاً للمرضى الذين يعانون من خلل حاد في البطينين (severe biventricular dysfunction)—وهي حالة يفشل فيها جانبا القلب في العمل وقت واحد.
الميزات الرئيسية لجهاز "إيسون":
التنظيم الذاتي في الوقت الفعلي: تكمن جوهرية الجهاز في قدرته على تعديل تدفق الدم بناءً على النشاط البدني للمريض؛ حيث تقوم أجهزة استشعار مدمجة بمراقبة ضغط الدم والعائد الوريدي.
خوارزميات ذكية: تضمن البرمجيات المتطورة زيادة نتاج القلب أثناء التمرين أو الإجهاد واستقراره أثناء الراحة، محاكيةً بدقة النظم البيولوجية الطبيعية للقلب الحيوي.
آلية نابضة: تعمل هذه الآلية على تحسين الدورة الدموية وتقليل خطر حدوث الجلطات الدموية، التي كانت تعد من المضاعفات الشائعة في نماذج القلوب الاصطناعية السابقة.
التوافق الحيوي: بحجم يقارب حجم اليد البشرية، يقلل الجهاز من الاستجابة المناعية للجسم وقد صُمم ليدوم طويلاً، مع إمكانية إطالة العمر لخمس سنوات أو أكثر.
استعادة القدرة على الحركة والاستقلالية
يعمل الجهاز ببطاريات خارجية يمكن ارتداؤها كساعة أو حملها في حقيبة ظهر، مما يمنح المرضى قدرة غير مسبوقة على الحركة.
"إنه يعمل تماماً كالقلب البشري—إذا مشى المريض، يزداد تدفق الدم، وإذا كان المريض في حالة راحة، يكون تدفق الدم مستقراً ومنخفضاً."
ستيفان بيا، الرئيس التنفيذي لشركة كارمات
بدأت رحلة "كارمات" في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث استلهمت النماذج الأولية تقنياتها من صناعة الطيران والفضاء. وهذا التاريخ ملائم نظراً لجذور الشركة في التعاون مع مجموعة "إيرباص". يعالج التصميم القيود الرئيسية للزراعات السابقة، مثل الحاجة إلى إشراف طبي مستمر، مما يسمح للمتلقين بالعودة إلى أنشطتهم اليومية والعمل وحتى ممارسة الرياضة.
إنجازات سريرية وتأثير عالمي
يأتي هذا الكشف في أعقاب تقدم سريري ملحوظ. فمنذ استئناف العمليات في عام 2022، تلقى أكثر من 90 مريضاً حول العالم القلب الاصطناعي الكلي "إيسون"، مع إجراء أكثر من 60 عملية زرع في السنوات القليلة الماضية وحدها.
إنجازات هامة:
تجربة EFICAS: في فرنسا، أظهرت هذه الدراسة متعددة المراكز التي شملت 40 مريضاً في حالة حرجة نتائج واعدة، بما في ذلك معدل بقاء على قيد الحياة بنسبة 90% بعد ستة أشهر للمرضى الذين يعانون من صدمة قلبية وتطلبوا دعماً للحياة خارج الجسم.
الموافقة التنظيمية: حصلت "كارمات" على علامة الجودة الأوروبية (CE marking) في الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2020، مما أتاح المبيعات التجارية.
التوسع في الولايات المتحدة: حصلت الشركة على تصريح من إدارة الغذاء والدواء (FDA) في عام 2021 لإجراء دراسة جدوى، مما يمهد الطريق لدخول محتمل إلى السوق الأمريكية.
قصص نجاح: شهد شهر ديسمبر 2023 زراعة بارزة في مستشفى جورج بومبيدو في باريس، حيث عولج بنجاح مريض يبلغ من العمر 75 عاماً، ليكون الجهاز بمثابة "جسر" لحين إجراء زراعة قلب طبيعي.
يبدي الخبراء تفاؤلاً بشأن قدرة الجهاز على إحداث تحول في طب زراعة الأعضاء. وقد أبلغ المرضى عن شعور متجدد بالحياة الطبيعية وعبروا عن امتنانهم لفرصة "العيش من جديد"، رغم وجود تحديات طفيفة مثل صوت طنين الجهاز والتنبيهات العرضية.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم أن القلب الاصطناعي الكلي "إيسون" يعد قفزة كبيرة للأمام، إلا أنه لا يخلو من العقبات:
متطلبات الطاقة: نظام الطاقة الخارجي محمول ولكنه يتطلب إعادة شحن منتظمة.
التكلفة: تقدر التكلفة بحوالي 150,000 يورو، مما قد يحد من إمكانية الوصول إليه في المناطق النامية.
البيانات طويلة الأمد: لا تزال المعلومات المتعلقة بالمتانة طويلة الأمد ومعدلات المضاعفات في طور الظهور مع نضوج التكنولوجيا.
ومع ذلك، يعالج هذا الابتكار أزمة عالمية؛ إذ يعاني أكثر من 100,000 مريض في الولايات المتحدة وأوروبا وحدها من أمراض قلبية وعائية حادة، في ظل نقص حاد في القلوب المتبرع بها. ومع استمرار "كارمات" في تحسين الجهاز، قد يتحول النموذج من كونه "جسراً مؤقتاً" إلى حل دائم ومستدام للحياة.
في عصر تمحو فيه التكنولوجيا الطبية الخط الفاصل بين الإنسان والآلة، يقف القلب الاصطناعي الفرنسي كشاهد على العبقرية البشرية، نابضاً بثبات نحو مستقبل لا يعني فيه قصور القلب نهاية الحياة.
![]() | ![]() | ![]() |


